خطأ
  • XML Parsing Error at 9:19. Error 76: Mismatched tag

أصبح الغربيون رواد دراسة الاقتصاد الإسلامي في القرن المعاصر

الأحد, 31 تموز/يوليو 2011 13:19
نشرت في أخبار

إن آية الله الهادوي الطهراني من الفضلاء و المحققين النشطين في الحوزة العلمية بقم و بسبب تسلطه على اللغات الأجنبية له حضور فعال في المؤتمرات العلمية في الخارج. و قد طرح نظرية "الفكر المدون في الإسلام" من خلال الرؤية المنهجية للتعاليم الفقهية و قد طرح على ضوء هذه النظرية آراء و نظريات ملفتة و قويّة في مجال الاقتصاد الإسلامي. و قام آية الله الهادوي في حواره مع لجنة الفكر بتحليل المحاور و الأسس في الاقتصاد الإسلامي و قارن بين النظام الاقتصادي الذي نعيشه الآن و الاقتصاد الإسلامي.

و في هذا اللقاء عبّر سماحته عن شكواه و أسفه على الغفلة عن التنظير في مجال الاقتصاد الإسلامي و قال إن الغربيين قد سبقونا في هذا الميدان و قد أسسوا فرع الاقتصاد الإسلامي في مراكزهم العلمية منذ سنين و هم الآن يعالجون الاحتياجات العلمية في البلدان الإسلامية و يغذوهم الاقتصاد الليبرالي بقشر و ظاهر إسلامي. و إليكم تفصيل اللقاء:

إن تحقق النظام الاقتصادي الإسلامي في إيران منوط بتحقق النموذج الإسلامي الإيراني للتطور

س: من جملة الأسئلة المهمة التي تطرح في مجال الاقتصاد هو أن ما هي نسبة النظام الاقتصادي الحالي في بلدنا كبلد إسلامي تجاه النظام الاقتصادي الإسلامي؟ فكم نستطيع أن نعبر عن النظام الاقتصادي الحاكم في بلدنا كنظام إسلامي؟

ج: بعد الثورة كانت هناك محاولات في الأوساط الاقتصادية العامة و خاصة بالنسبة إلى الأعمال التي أمام مرأى الناس أن لا تكون معارضة للشرع و الإسلام فكان حذف الربا من النظام المصرفي في البلد في هذا المسار.

و لكن ليست هناك رؤية منهجية للاقتصاد الإسلامي و لا وجود لمحاولات من أجل تثبيت هذه الرؤية في مقام العمل. يعني أن نقوم بتشخيص و تنظيم مؤسسات الاقتصاد الإسلامي و نحدد العلاقات في ما بينهم، فهذا لم ينجز إلى الآن و قد أجّل، و أهمّ أسبابه قلة وجود العلم النظري و عدم وجود الاهتمام الجادّ بهذا الموضوع.

إن السبب في الأمر الذي جعل سماحة السيد القائد يطرح النموذج الإسلامي الإيراني للتطور بعد ثلاثين سنة، هو أن طرح هذا النموذج بحاجة إلى أرضيات كثيرة و باعتقادي إن الفارق بين اقتصادنا الذي نعيشه في الواقع و بين مفاهيم الاقتصاد الإسلامي على رغم كل المحاولات فارق كبير. طبعا لم تتصف هذه المحاولات بالجديّة و حسب تقديري عدم وجود الاهتمام الجادّ يمثل أحد أهم أسباب عدم توفيقنا في هذا المجال. لقد أنكر الاقتصاد الإسلامي في بعض الفترات، و حيثما يقرّ بهذا الموضوع لم يتحقق في العمل.

بنظري إن تحقق هذا الموضوع منوط بتحقق النموذج الإسلامي الإيراني للتطور. ما دام لم يصمّم و ينفذ هذا النموذج من قبل المسؤولين و الشعب، لن نستطيع أن نتحرك باتجاه تنظيم اقتصادانا.

س: برأيكم إن أصول الاقتصاد الإسلامي كم هي قابلة للتأقلم في بلدنا مع الظروف الزمنية و المكانية؟

ج: أعتقد أن الإسلام يحتوي على اقتصاد بمعنى الفلسفة الاقتصادية و المدرسة و النظام الاقتصاديين، و قد شرحت في نظرية الفكر المدوّن في الإسلام أنه يجب للنظام الاقتصادي الإسلامي أن يكون منسجما مع ظروفنا التي نعيشها و لابد من تصميم الصيغة و الآلية المنسجمة مع الظروف المحلية. فلابد من تصميم اقتصاد إسلامي إيراني منسجم مع ظروفنا الزمنية.

يجب أن يتم تصميم الاقتصاد الإسلامي في بلدنا منسجما مع الظروف الزمنية و المكانية

لابد من أن نكون الاقتصاد الإسلامي منسجما مع ظروف البلد و بالتأكيد سوف يختلف هذا الاقتصاد الإسلامي الإيراني عن الاقتصاد الإسلامي العربي الذي كان في صدر الإسلام. الأسس نفسها أما الآليات فتختلف. يعني لابد من أخذ ظروف المنطقة و مقتضيات الزمان و كذلك الظروف التي نعيشها بعين الاعتبار.

فعلى سبيل المثال نحن نواجه التجارة الإلكترونية في عصرنا في حين أنها لم تكن في صدر الإسلام، فيجب أن نلاحظ هذه الموارد في تصميم الاقتصاد الإسلامي. و كذلك اليوم نواجه أشكالا جديدة من العقود التي لم تكن سابقا فيجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في آليات الاقتصاد.

إذن أؤكد أن توطين الاقتصاد الإسلامي أمر ضروري و أصل مسلم و بدونه لا يمكن أن نعالج أوضاع الاقتصادية في البلد. لأننا لم نهدف إلى تصميم النموذج الإسلامي للتطور، بل نحن بصدد تصميم النموذج الإسلامي الإيراني للتطور و عنصر الإيراني يمثل ظروف بلدنا و لابد من إعطاء الحلول الاقتصادية منسجمة مع ظروفنا المحلية.

غفلة الأوساط العلمية و الجامعية في البلد عن الاقتصاد الإسلامي

س: يبدو أن قد غُفِل عن الاقتصاد الإسلامي في النظام التعليمي و لاسيما في الأوساط الجامعية في البلد و لعل هذا الأمر أدى إلى الغفلة عن أسس النظام الاقتصادي الإسلامي في ميدان العمل؛ فما هو الحل في سبيل علاج هذا النقص الكبير؟

ج: نعم! أنا أؤيد ما ذكرتموه كاملا. نحن آسفون على أن بعد مضيّ ثلاثة عقود من استقرار النظام الإسلامي لا وجود لفرع الاقتصاد الإسلامي في مراحل البكالوريوس و الماجستير و الدكتوراه في جامعاتنا لحد الآن. نعم هناك بعض الحصص الدراسية تحت عنوان الاقتصاد الإسلامي تدرس في الجامعات و لكن ليس لدينا فرع الاقتصاد الإسلامي.

الغربيون رواد دراسة الاقتصاد الإسلامي في القرن المعاصر

في حين أن البلدان الغربية قد شعرت بعد انتصار الثورة الإسلامية بأنها تواجه موجة الصحوة الإسلامية و عالم المستقبل سوف يتعرف على المفاهيم الإسلامية بشكل أكثر، فحاولوا أن يعدّوا أنفسهم لعالم المستقبل في مختلف الأبعاد، و من هذا المنطلق قاموا بجهود كبيرة و خاصة في مجال العلمي كما بدأوا بدراسات و أبحاث عميقة في موضوع الاقتصاد الإسلامي.

و اللطيف أن بعد مضيّ ثلاثين سنة، إلى الآن هناك من يبحث أن هل لدى الإسلام نظام اقتصادي أم لا؟ و نحن نتباحث فيما بيننا عن وجوده أو عدمه، في حين أنه قد أنشئ فرع الاقتصاد الإسلامي في المراكز الجامعية في بعض الدول كبريطانيا منذ عشر سنين. لقد تأسس فرع الاقتصاد الإسلامي في الجامعات في قلب أرويا و يدرس الآن.

فإنهم يربون الطلاب و المحققين في هذا العلم منذ سنين و في المقابل نحن في بداية الطريق.

لقد استلم الغربيون المرجعية العلمية في الاقتصاد الإسلامي في كل العالم

صحيح أن الغربيين لا يعتقدون بالإسلام و ليسوا من محبّيه، و لكنهم يؤمنون بطاقات الإسلام و لهذا يحاولون أن يستغلوا هذه الطاقات و القابليات و بلغوا إلى المستوى الذي قاموا بتصميم و تنظيم اقتصاد البلدان الإسلامية حسب رغبتهم. فبلغ الغربيون إلى الدرجة التي استلموا المرجعية العلمية في الاقتصاد الإسلامي في كل العالم. إن المصادر الدولية في الاقتصاد الإسلامي ليست نتاج بلدنا أو غيرها من البلدان الإسلامية، بل يتم إنتاج مصادر الاقتصاد الإسلامي على المستوى العالمي في المراكز العلمية الغربية. لقد انعقدت في السنين العشر الماضية في بعض الجامعات كجامعة هاروارد في أمريكا أكثر من عشرة مؤتمرات تخصصية في مجال الاقتصاد الإسلامي و قد أنتجوا كما هائلا من المعلومات في هذا المجال. طبقا قد لا تكون جميع هذه المعلومات دقيقة و صائبة إذ أنهم قاموا بهذا الأمر من أجل السيطرة على الاقتصاد الإسلامي و إدارته. و إن بعض الأسواق المالية في العالم قد أنشئت على أساس علم الاقتصاد الإسلامي. فعلى سبيل المثال إن الأسواق المالية في بعض البلدان كماليزيا و أندونيسيا قد أسست و أنشئت على أساس علم الاقتصاد الإسلامي الذي أنتج في الغرب.

نحن نعاني من فراغ كبير و أساسي في الجانب النظري للاقتصاد الإسلامي

لقد كان دورنا ـ و للأسف ـ في الاقتصاد الإسلامي و لاسيما في جانبيه النظري و العملي ضعيفا جدا. و قصدي هو أن مضافا إلى الميدان العملي الذي نعاني فيه من ضعف شديد في مجال الاقتصاد الإسلامي، نعاني من فراغ كبير و أساسي في الجانب النظري الذي يمثل الأرضية لتطبيق هذه المفاهيم و لم نملك المرجعية العلمية في هذا الموضوع. لقد صنفت بعد الثورة كتب و مقالات كثيرة في مجال الاقتصاد الإسلامي و لكنها لم تتعدّ حدود البلد و بتعبيري قد دفنت و لم تصل إلى المفكرين الأجانب. كما لم ينجز عمل جيد في باقي البلدان الإسلامية.

نظريات المفكرين المسلمين في مجال الاقتصاد الإسلامي لم تصبح عالمية

ليس لدى الأجانب أيّ اطلاع على آثار مفكرينا و علمائنا في مجال الاقتصاد الإسلامي. يعرفون شيئا قليلا جدا من قبيل كتاب "اقتصادنا" للشهيد الصدر الذي ألف قبل أربعين سنة في العراق، في حين أنه قد صنفت بعده كتب أخرى و لكننا و للأسف لم نطرح نظريات علمائنا و مفكرينا الاقتصادية على المستوى العالمي.

و من أهم أسباب عدم تحقق هذا الأمر بحسب تقديري هو موقف بعض الأوساط العلمية السلبي تجاه هذه المفاهيم؛ الأمر الذي أدى إلى أن بعد هذه السنين المتمادية لم يؤسس فرع الاقتصاد الإسلامي في المراكز العلمية لحد الآن.

و مع الأسف لحد الآن نجد مسؤولي التعليم العالي يواجهون هذه المسألة بغموض و إبهام.

يجب أولا أن نقرّ بالاقتصاد الإسلامي على مستوى النظر

الموارد التي ذكرتها تعبر عن قصورنا الكبير. من الواضح أن مادمنا لا نقرّ بالاقتصاد الإسلامي على المستوى النظري و لا نبذل ثمنا في هذا المجال لا نستطيع أن نطبق الاقتصاد الإسلامي بشكل كامل في مقام العمل. نحن قد حققنا بعض مسائل الاقتصاد الإسلامي في هذه القعود الثلاثة و لكن لم نهيئ الأرضية لتحقيق مجموعة منسجمة و منهجية مستندة إلى أركان نظرية.

س: نظرا إلى أننا الحكومة الوحيدة الشيعية في عالم الإسلام، هل هناك اختلاف كبير بين آراء علماء الشيعة و السنة حول موضوع الاقتصاد الإسلامي بحيث وقف مانعا من اشتهار نظرياتنا في الاقتصاد الإسلامي في العالم أو على الأقل في عالم الإسلام؟

ج: لا! بحمد الله إن آراء الشيعة و السنة في مجال الاقتصاد الإسلامي متقاربة جدا و هناك فوارق جزئية جدا. باعتقادي إن 99% من الأحكام الاقتصادية مشتركة بين الشيعة و السنة. و تلك الفوارق الجزئية الفقهية قليلة جدا و لا تسبب أية مشكلة.

و لديّ في هذا الموضوع تجارب شخصية أيضا. فقد ذهبت في عام 2008 إلى أندونيسيا و حضرت في مؤتمر مع علماء الاقتصاد في ذلك البلد و أصحاب المصارف الإسلامية في أندونيسيا، فعندما أبديت آرائي في الاقتصاد الإسلامي، اقتنع بها الحضور حتى أهل السنة و لم يؤثر كوني من الشيعة و أنهم من السنة في هذا الموضوع قطّ. و في المجموع كانت لدينا آراء واحدة في مجال الاقتصاد الإسلامي.

الاقتصاد الإسلامي الرائج في البلدان الإسلامية متكون من ظاهر إسلامي و روح غربية

س: كيف أوضاع باقي البلدان الإسلامية في مجال تطبيق الاقتصاد الإسلامي، فهل يعانون مثلنا من بعض المشاكل؟

ج: إنهم يواجهون مشكلة أخرى؛ فإن الاقتصاد الإسلامي في هذه البلدان يعتمد على دراسات و نظريات البلدان الغربية، يعني ما يطبق في هذه البلدان إنما هو الاقتصاد الإسلامي الذي دونه و بينه البلدان الغربية، و حاول الغربيون بكل دهاء أن يطلوا الاقتصاد الرأسمالي بغلاف و طلاء إسلامي و يسوّقونه بصفة الاقتصاد الإسلامي في سبيل أن تتقبله الأوساط الإسلامية. ليس هدفهم توسعة الاقتصاد الإسلامي بل يهدفون إلى حفظ و نشر الاقتصاد الرأسمالي بصبغة الاقتصاد الإسلامي و قد نجحوا مع الأسف، و حتى نحن نواجه هذه المشكلة في بلدنا أحيانا و نطرح الاقتصاد الرأسمالي بطلاء و صبغة الاقتصاد الإسلامي. فتارة نقوم و نؤدي ما يهدف إليه الغربيون و ننجز طموحاتهم و نسوق لنظام اقتصادي ظاهره إسلامي و لكن روحه غربية.

الإسلام يحتوي على فلسفة اقتصادية و مدرسة و نظام اقتصاديّين

س: أساسا ما هي المؤلفات الرئيسة و المميزات الأساسية في النظام الاقتصادي الإسلامي؟ فهل يملك الإسلام نظاما اقتصاديا؟

ج: يطرح الإسلام في كل المجالات و منها الاقتصاد ثلاثة محاور عالمية لم تختص بظروف خاصة؛ أحد هذه المحاور الفلسفة فنحن لدينا فلسفة الاقتصاد الإسلامي، و المحور الآخر المدرسة؛ بمعنى أن لدينا مدرسة الاقتصاد الإسلامي. و النظام هو المحور الثالث بمعنى أن لدينا النظام الاقتصادي الإسلامي.

و مقصودنا من فلسفة الاقتصاد الإسلامي مجموعة من الأبحاث العقدية التي يتبلور معناها في مجال الاقتصاد؛ فعلى سبيل المثال مالتوس لديه بعض الآراء و يعتقد أن رشد المصادر الطبيعية يمثل تصاعدا عدديا بينما رشد الطاقة البشرية تمثل تصاعدا هندسيا و سوف نواجه قلة المصادر الطبيعية بمرور الزمن بسبب ازدياد النفوس؛ هذه نظرية يتبناها مالتوس حيث يخوض الكثير من الأبحاث الاقتصادية من هذا المنطلق.

و في مقابل هذه النظرية، يطرح الاقتصاد الإسلامي مفهوم رازقية الله؛ بمعنى أن الله هو الرزاق و سيرزق الله الكائنات بما يناسبهم. إن هذه العقيدة تمثل أحد عناصر الفلسفة الاقتصادية في الإسلام.

إن للمدرسة الاقتصادية في الإسلام أسسا و أهدافا محددة

و لكن المدرسة الاقتصادية في الإسلام تنطوي على قسمين: الأول الأسس؛ يعني الأصول المسلمة التي أقرّ بها الإسلام، و الثاني الأهداف. فمثلا أحد الأسس المدرسية في الاقتصاد الإسلامي هو حرية النشاط الاقتصادي، حيث إن الأصل في الإسلام هو أن الجميع أحرار في أن يمارسوا ما شاءوا من الأعمال الاقتصادية، إلا أن يكون هناك منع خاص.

و القسم الآخر من أسس المدرسة الاقتصادية في الإسلام هو تنوّع الملكية. حيث إن الإسلام يقرّ بالملكية الخاصة و الملكية الحكومية معا، في حين أن النظام الرأسمالي أي النظام الليبرالي الرأسمالي المتطرف يرفض الملكية الحكومية، و كذلك المدرسة الاقتصادية الاشتراكية ترفض الملكية الخاصة.

القضاء على الفقر و تعديل الثروة هدف النظام الاقتصادي في الإسلام

بالنسبة إلى أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي يمكن أن نعتبر العدالة الاقتصادية من أهم أهداف هذا النظام و إن هذه العدالة تتكون من أمرين: الأول القضاء على الفقر و الثاني هو تعديل الثروة.

و المقصود من القضاء على الفقر هو أن تتوفر الإمكانات الاقتصادية في المجتمع الإسلامي بحيث يتمتع جميع أفراد المجتمع من الحد الأدنى من إمكانات الحياة المناسبة و بحسب ظروفهم المكانية و الزمانية. يعني أن يتم تحقيق الاقتصاد الإسلامي بحيث يتوفر الحد الأدنى من المعيشة لجميع أفراد المجتمع.

تعديل الثروة يمثل الهدف الآخر للنظام الاقتصادي في الإسلام و معنى ذلك هو أن صحيح أن المجتمع الإسلامي يقرّ بظاهرة اختلاف المستوى المعيشي بين الناس و أن يكون البعض أغني من البعض الآخر، و لكن يجب أن يكون الفارق بين الأغنياء و الفقراء في المجتمع فارقا مقبولا.

يعني يجب تعديل المسافة بين الشرائح الغنية و الشرائح الضعيفة بشكل مستمرّ و لا ينبغي أن تتعدى هذه المسافة عن حدّها. فإن ازدادت هذه المسافة، سيشعر الضعفاء و الفقراء بالفقر و قد ورد في رواياتنا أن الشعور بالفقر أمرّ من الفقر نفسه. فمن شعر بهذا الشعور قد يتورط بانحرافات اقتصادية و جرائم و غيرها. و في الواقع إن المجتمع الذي يشعر أهله بالفقر و التبعيض يفقد الأمن الاقتصادي و سوف يواجه الأزمة.

إلى جانب كل هذه العناصر نحن نعتقد بوجود نظام اقتصادي في الإسلام.

وهذا النظام الاقتصادي غير الفلسفة الاقتصادية و المدرسة الاقتصادية.

إن مقصودنا من النظام مجموعة من المؤسسات الاقتصادية التي أسسها الإسلام و إن هذه المؤسسات توصلنا إلى أهداف المدرسة الاقتصادية بناء على الأسس الثابتة في المدرسة الاقتصادية. و هناك عدة مؤسسات في تشكيلة الاقتصاد الإسلامي، فبعضها عبارة عن مؤسسات المساعدات غير المعوضة مثل الصدقات و الخيرات، و بعضها مؤسسات المساعدات المعوضة كالقرض الذي أقرّ به الإسلام. و هناك علاقات خاصة بين هذه المؤسسات.

إن مجموع العلاقات و أداء هذه المؤسسات، بناء على أسس الاقتصاد الإسلامي تؤمن أهداف مدرسة الاقتصاد الإسلامي.

ينعطف النظام الاقتصادي الإسلامي مع الظروف

بناء على ما ذكر، فيحتوي الإسلام على الاقتصاد بكل معنى الكلمة، فقد أشير إلى جميع أبعاد الاقتصاد بنحو من الأشكال. و لا تختص هذه المفاهيم بظرف خاص؛ فمن أجل تطبيقها على الظروف الخاص نحتاج إلى عمل خاص و يجب على أساس النظام الاقتصادي الذي يرسمه الإسلام أن نضع آليات منسجمة مع الظروف التي نعيشها. فإذا وجدنا فوارق بين اقتصاد البلد اليوم و اقتصاد زمن صدر الإسلام، ليس الاختلاف، في النظام أو المدرسة الاقتصادية بل في الآليات و تختلف هذه الآليات الاقتصادية بحسب ظروف ذلك الزمان أو هذا الزمان.

س: النظام الاقتصادي في الإسلام كم هو مورد اتفاق و تفاهم جميع فقهاء و علماء الإسلام؟ فهل يختلفون في هذا المجال؟

ج: إن بعض العناصر التي ذكرتها هي مورد قبول العلماء و المفكرين المسلمين و في بعض المسائل نجد اختلافا بينهم. طبعا إن الرؤية التي تنظر إلى مفاهيم الاقتصاد الإسلامي كمجموعة ممنهجة ليست بالرؤية العامة التي مورد قبول الجميع. أنا لديّ نظرية تحت عنوان "نظرية الفكر المدون في الإسلام" و هذا البحث على أساس تلك النظرية؛ و لكن الكثير من العناصر التي أشرت إليها مورد اتفاق الجميع، مثلا ما ذكرت من أن الإسلام يقرّ بالأشكال المختلفة للملكية و هذا أحد أسس المدرسة الاقتصادية في الإسلام أمر مسلم لدى جميع الفقهاء، أو أن فلسفة الاقتصاد الإسلامي قد اعتبرت الله رزاقا، فهذا كذلك من الأصول المسلمة و المقبولة لدى الجميع.

أما أنه يجب أن تكون المسافة بين الفقير و الغني مسافة مقبولة، فلعل الجميع لم يذكر ذلك. طبعا عدم تطرقهم لهذه القضية لا يعني رفضهم لها فلعلهم كانوا غافلين عنها. لقد ذكر هذا الموضوع بعض المفكرين من أمثال الشهيد الصدر في كتاب "اقتصادنا"، كما أن بعض الأمور مثل المعاملات و القرض و نحو ذلك مما اتفق عليه الفقهاء. أما أن ننظر إلى هذه المسائل بعنوان المؤسسات الاقتصادية و نحدد لها مؤشرات معينة و نعتبر لها موقعا و دورا محددا، فهذا ما لم يُلتفت إليه و لا يعني ذلك بأنه مرفوض.

إن النظام الاقتصادي مما يقرّ به أكثر الفقهاء و العلماء المسلمين

س: إذن هل كون الإسلام صاحب نظام اقتصادي مما يقر به جميع العلماء و الفقهاء و لكن الاختلاف في بعض الآليات و بعض مفاهيم النظام الاقتصادي؟

ج: كون الإسلام لديه برنامج و آليات في جميع الجوانب من المسلمات، و لكن هناك اختلاف في الآراء في مدى هذه البرامج و حدود هذه الآليات و في أن هل قد ذكرت جميع التفاصيل في الإسلام أم ذكرت بعض الكليات و حسب.

لقد ذهب أكثر الفقهاء و علماء الإسلام إلى أن الإسلام قد تطرق لأكثر التفاصيل و الجزئيات و لم يكتف بذكر الكليات فقط و أن يترك باقي المسائل للإنسان، و في مقابل هذا المشهور يوجد بعض الأشخاص و خاصة من الطبقة المتثقفة حيث يعتقدون بأن الإسلام لم يحتو على الإرشادات في بعض مجالات الحياة و لم يذكر سوى الكليات، فيجب على الإنسان أن يلتفت لهذه الأصول الكلية و أما تشخيص التفاصيل فقد فوض إلى البشر. طبعا أكثر المعتقدين بهذه الرؤية قد تأثروا بالفكر العلماني و إلا فأكثر الفقهاء و العلماء قد أجمعوا على أن الإسلام يحتوي على منهاج في مختلف المجالات و من جملتها الاقتصاد و لدينا النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يختلف عن باقي الأنظمة الاقتصادية بفوارق أساسية.

يتم الإقرار بالنظام الاقتصادي الإسلامي على أساس الأسس العقدية الإسلامية

س: على أيّ الأسس النظرية قد اعتمد الفقهاء و العلماء الذين أقروا بالنظام الاقتصادي الإسلامي و اعتقدوا بأن الإسلام لديه نظام خاص في مجال الاقتصاد؟

ج: إن مجمل الإرشادات المذكورة في الإسلام و مجمل المعارف التي نحظى بها في مجال العقائد تهدينا إلى هذه الرؤية. إن اعتقدنا بأن الإسلام هو الدين الخاتم و الكامل و قد ذكر فيه كل ما يحتاجه الإنسان، إذن فلابد أن يحتوي على إرشادات ضرورية للإنسان في كل المجالات و من جملتها في مجال الاقتصاد.

إذن فنحن نقرّ بهذا النظام من وحي أسسنا العقدية. خاصة و نحن عندما نراجع التعاليم الإسلامية نواجه كما هائلا من المعطيات الاقتصادية في مختلف المجالات. فعندما يتم تنظيم هذه المعطيات يتكوّن النظام الاقتصادي الإسلامي.

هناك فوارق أساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي و الأنظمة الاشتراكية أو الرأسمالية

س: ما هي الفوارق و المشتركات الموجودة بين النظام الاقتصادي الإسلامي و الأنظمة الاقتصادية الرائجة في العالم؟

ج: يختلف الاقتصاد الإسلامي و بمقتضى أسسه الفلسفية و المدرسية و عناصر نظامه عن الاقتصاد الاشتراكي و الرأسمالي. إذ من حيث المفاهيم الفلسفية فتلك الأنظمة تعتمد على رؤى غير دينية، فبعض هذه المفاهيم علمانية و بعضها ضدّ الدين. و بالنتيجة يريدون أن يرتقوا في الاقتصاد عن طريق إنكار الله أو تجاهله.

في حين أن جميع الاقتصاد الإسلامي إنما يفهم من خلال الإيمان بالله و يرتكز على هذا الإيمان، و إن الإسلام قد رتّب جميع المسائل الاقتصادية على أساس الإيمان بالله و التوحيد. إن رؤيتنا تجاه الاقتصاد هو أن الاقتصاد يعمّر حياتنا الدنيوية و في نفس الوقت يضمن سعادتنا الأخروية أيضا، في حين أن هذه المفاهيم مفقودة في الاقتصاد الرأسمالي و الاشتراكي.

وقد أشرت سابقا إلى أن بالنسبة إلى عناصر المدرسة الاقتصادية، إن ملكية الفرد مرفوضة في الاقتصاد الاشتراكي المتطرّف و إن الاقتصاد الرأسمالي المتطرف يرفض الملكية الحكومية؛ في حين أن الإسلام يقرّ بالملكيّتين.

إن اشتراكات النظام الاقتصادي الإسلامي مع باقي الأنظمة الاقتصادية محدودة جدا

إن الإسلام يشبه النظام الرأسمالي إلى حدّ ما و من حيث الإقرار بالملكية الخاصة، بيد أن يختلف عنه في الاتجاه. لقد أقرّ النظام الرأسمالي بالملكية الفردية و ذلك بسبب أن ميدأ أصالة الفرد أصل معتمد في فلسفتهم، فتم الإقرار بالملكية الخاصة على أساس أصالة الفرد و موقع هذا الأصل في النظام الفلسفي الليبرالي.

في حين أن الإسلام قد أقرّ بالملكية الخاصة باعتبار أن الله قد خلق الإنسان و رزقه إمكانات الحياة و الأموال الاقتصادية، فإن الملكية الخاصة في الإسلام تعتبر موهبة الله للإنسان كما أنها تحمّله بعض المسؤوليات. فمثلا لا يجوز لنا أن نتصرف في أموالنا كيف نشاء، أما في النظام الرأسمالي فالإنسان حرّ في أن يصرف أمواله كيف ما يشاء، إذ أن الأصالة للفرد و الإنسان. كما أننا نشترك مع النظام الاشتراكي في الإقرار بالملكية الحكومية و لكن يختلف مفهوم الحكومة و الملكية الحكومية بين الإسلام و النظام الاشتراكي.

لقد رفض النظام الاشتراكي الملكية الفردية و ذلك بناء على الأسس التي ارتكز عليها في المادّية الجدلية، و مال إلى الملكية الحكومية، بيد أن في الإسلام و ما يرتكز عليه من أسس توحيدية، ننظر إلى الحكومة كوديعة، و بما أن على عاتقها مسؤولية إدارة الشؤون الاجتماعية في المجتمع، فنسلمها الأموال العامة.

إذن هناك فوارق أساسية بين الاقتصاد الإسلامي و غيره من الأنظمة الاقتصادية و حتى في الموارد التي يشترك مع باقي الأنظمة الاقتصادية، يختلف معهم في الرؤية و الاتجاه بكثير.

موجز الحوار

لقد استنكر آية الله الهادوي الطهراني في هذا الحوار عدم إنشاء فرع الاقتصاد الإسلامي في الأوساط العلمية و الجامعات في البلد بعد مضيّ ثلاثة عقود من انتصار الثورة الإسلامية قائلا: هذا في حين أن في الدول الغربية قد أنشئ فرع الاقتصاد الإسلامي في الجامعات و بات يدرس منذ سنين. و عبّر سماحته عن رأيه بأن المفروض أن يتم التنظير حول الاقتصاد الإسلامي في الأوساط العلمية ليتأتى تطبيقها في الخارج و قال: لقد أصبحت المرجعية العلمية في الاقتصاد الإسلامي على المستوى العالمي بيد الغربيين و بدأوا ينشرون هذه التعاليم بظاهر إسلامي و روح غربية في البلدان الإسلامية. ثم أشار آية الله الهادوي إلى خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام و قال: إن الإسلام لديه فلسفة و مدرسة اقتصاديتين و نظام اقتصادي خاص به. و قال: هناك فوارق أساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي و الأنظمة الاقتصادية السائدة في العالم من الاشتراكية و الرأسمالية و إن أهم فارق بينهم هو الاتجاه التوحيدي الذي يحظى به النظام الاقتصادي الإسلامي. و أكد الهادوي قائلا: يجب أن نسعى لتحقيق الاقتصاد الإسلامي في البلد على أساس نموذج الإسلامي الإيراني للتطور، إذ أن عملية التوطين في هذا المجال أمر مهم و ضروري، و لا يمكن تحقيق النظام الاقتصادي الإسلامي في إيران من دون أخذ ظروف الزمان و المكان بعين الاعتبار.

مكتب آية الله مهدي الهادوي الطهراني